أحيانا فضول الطفل يقوده إلى التهلكة، ولا أقصد الموت، بل فضولٍ من شأنه تدمير حياته مثل التدخين، وغيره الكثير. لكن موضوع مقالي اليوم لا يدور حول الأطفال، بل حول المراهقين سوف أضع اسئلة دارت في بالي أثناء مراهقتي، ولم اعطها جوابا قبل اليوم.
عندما بلغت الأربعة عشر عاما من عمري، كان هنالك الكثير من الأشياء التي أريد تجربتها. بعضها استمر لليوم، وبعضها اختفى مثل لمح البصر. مثل أي مراهق كنت دوما أبحث عن الإجابات بسبب كثرة أسئلتي، ومن أهم هذه الأسئلة التي استمرت إلى هذه اللحظة: لماذا لم تعد فكرة انتهاء الحياة بالموت تقنعني؟
قبل أن أبدأ بالإجابة، أجوبتي لن تكون مطلقة، ولن تكون سطحية، بل يشوبها بعض العمق، ونهايتها سوف تحددها انت يا عزيزي القارئ.
لماذا لم تعد فكرة انتهاء الحياة بالموت تقنعني؟
في أول مرة خطر لي هذا السؤال أجبته بكل عفوية، وتسرع بكلمة (لا). كنت أبرر هذا الجواب بالقول إلى نفسي إن من التواضع ألا تستمر الحياة أكثر من هذا، فأنا سوف أحيا إلى السبعين من عمري، وسوف أشعر بالملل الكبير، فإنني أريد أن أموت، وألا أعود مجددا؛ لأن ذلك الملل سوف يغدرني، وأيضا بررته أن كرم الله كبير علي؛ لأنه خلقني في هذه الدنيا، وتعبيرا عن احترامي لربي، وشكري له كنت أقول إنني لا أحتاج الآخرة تكفيني الدنيا.
(أعلم أنه تفكير، وجواب خاطئ، ومن الممكن أن البعض يذكرني بالكافر، أو بالملحد؛ لأنني جحدت الإيمان في الآخرة، وهو ركن أركان الإيمان لكن قبل أن تتسرع، فأنا كنت صغيرا، ولا أملك خلفية دينية قوية)
أما اليوم إنني أرى الحياة من منظور مختلف. لقد تغير علي الكثير بدءا من ذاتي، ونهاية بتفكيري. يمكنني إجابة هذا السؤال الآن بوعي، وعلم اكبر استنادا إلى الدين.
إن الإجابة المباشرة، والسريعة هي نعم يجب أن تكون هناك حياة بعد الموت؛ لأن الله تعالى خلقنا في هذه الدنيا لا لأن نكون خالدين، بل لأن يختبرنا اختبارا، ومن أبرز الآيات التي تثبت أن الحياة الدنيا دار اختبار، وابتلاء قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [سورة الأنبياء: 35].
توضح هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يختبر عباده ويمتحنهم، سواء بالبلاء والمصائب (الشر) ليرى مدى الصبر، أو بالنعم والعطايا (الخير) ليرى مدى الشكر، وأن المرجع في النهاية إليه سبحانه ليحاسب كل إنسان على عمله.
أتفق بشدة على أن الدنيا هي بيت الإختبار، وأن الآخرة هي الجزاء الذي سوف يكسبه الإنسان بعد هذا الإختبار الطويل. لقد قلت فيما سبق انني سوف اشعر بالملل إن دامت الحياة أكثر، وإنما هذا الشعور الدنيوي كان بداخلي؛ بسبب تركيب الدنيا الذي يعتمد على النجاح والفشل، الخسارة والكسب، الموت والحياة.
كنت أعتقد أن الآخرة كذلك، وأنها مشابهة للدنيا لكننا خالدين هذه المرة، لكن سبحان الله بمجرد الموت، ودخولنا الى الجنة إن الأمر سوف يختلف علينا ويتغير؛ لأن الإنسان في الجنة لن يحمل محدودية الدنيا النفسية والجسدية نفسها، ولأن النعيم فيها متجدد لا ينقطع. وأن قصة جديدة سوف تحدث بل، وأن النعم من شدة كثرتها إنني اؤمن أنه لو افترضنا انني عشت سبعين عاما على الأرض فأنا أحتاج على أقل تقدير أربعة أضعاف عمري حتى أكتشف بعض هذه النعم.
هذا كل ما اكتشفته من إجابة السؤال إلى الآن، وما زلت أبحث باستمرار على أجوبة لبقية اسئلتي.
يمكننا اعتبار أن هذه خاتمتي انني اترك لك الحرية في إكمال جواب السؤال، وأيضا أنا أطلب منك أن تفكر قليلا لو أن الدنيا اختفى الملل منها هل كانت تستحق العيش؟
(رامي/على هامش الفكرة)
